أحمد بن محمد القسطلاني

111

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

وفي هذه الآية كما قال الإمام أبو بكر بن الطيب حجة على الكرامية ومن وافقهم من المرجئة في قولهم : إن الإيمان إقرار باللسان فقط ، ومثل هذه الآية في الدلالة لذلك قوله تعالى : { أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَان } [ المجادلة : 22 ] . ولم يقل كتب في ألسنتهم ، ومن أقوى ما يردّ به عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع كونهم أظهروا الشهادتين . ( فإذا كان ) أي الإسلام ( على الحقيقة ) الشرعية وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله تعالى ( فهو على قوله جل ذكره : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [ آل عمران : 19 ] . أي لا دين مرضي عنده تعالى سواه ، وفتح الكسائي همزة أن على أنه بدل من أنه بدل الكل من الكل إن فسر الإسلام بالإيمان وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة ، وقد استدل المؤلف بهذه الآية على أن الإسلام الحقيقي هو الدين ، وعلى أن الإسلام والإيمان مترادفان وهو قول جماعة من المحدثين وجمهور المعتزلة والمتكلمين ، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِين } [ الذاريات : 35 ، 36 ] . فاستثنى المسلمين من المؤمنين ، والأصل في الاستثناء كون المستثنى من جنس المستثنى منه فيكون الإسلام هو الإيمان وردّ بقوله تعالى : { قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } [ الحجرات : 14 ] . فلو كان شيئًا واحدًا لزم إثبات شيء ونفيه في حالة واحدة وهو مُحال . وأجيب بأن الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان ، وهو في الآية بمعنى انقياد الظاهر من غير انقياد الباطن كما تقدم قريبًا ، ثم استدل المؤلف أيضًا على مذهبه بقوله تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ } أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى { دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آل عمران : 85 ] . جواب الشرط . ووجه الدلالة على ترادفهما أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً ، فتعين أن يكون عينه لأن الإيمان هو الدين والدين هو الإسلام لقوله تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام ) فينتج أن الإيمان هو الإسلام وسقط للكشميهني والحموي من قوله : ومن يبتغ إلخ . 27 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلاً هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا . فَقَالَ « أَوْ مُسْلِمًا » . فَسَكَتُّ قَلِيلاً ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ : مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ : « أَوْ مُسْلِمًا » . ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي ، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ « يَا سَعْدُ ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ » . وَرَوَاهُ يُونُسُ وَصَالِحٌ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ . [ الحديث طرفه في : 1478 ] . وبسندي الذي قدّمته أول هذا التعليق إلى المؤلف قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع الحمصي ( قال أخبرنا ) وللأصيلي حدّثنا ( شعيب ) هو ابن أبي حمزة الأموي ( عن الزهري ) محمد بن مسلم ( قال أخبرني ) بالإفراد ( عامر بن سعد بن أبي وقاص ) بتشديد القاف وسعد بسكون العين واسم أبي وقاص مالك القرشي المتوفى بالمدينة سنة ثلاث أو أربع ومائة ( عن ) أبيه ( سعد ) المذكور أحد العشرة المبشرة بالجنة المتوفى آخرهم بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة سبع وخمسين ، وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع ، وله في البخاري عشرون حديثًا ( رضي الله عنه ) . ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى رهطاً ) من المؤلفة شيئاً من الدنيا لما سألوه كما عند الإسماعيلي ليتألفهم لضعف إيمانهم ، والرهط : العدد من الرجال لا امرأة فيهم من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو مما دون العشرة ولا واحد له من لفظه ، وجمعه أرهط وأراهط وأرهاط وأراهيط . ( وسعد جالس ) جملة اسمية وقعت حالاً ولم يقل أنا جالس كما هو الأْصل ، بل جرّد من نفسه شخصًا وأخبر عنه ْبالجلوس أو هو من باب الالتفات من التكلم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة كما هو قول صاحب المفتاح . قال سعد : ( فترك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً ) سأله أيضًا مع كونه أحب إليه ممن أعطى وهو جعيل بن سراقة الضمري المهاجري ( هو أعجبهم إليّ ) أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي ، والجملة نصب صفة لرجلاً ، وكان السياق يقتضي أن يقول أعجبهم إليه لأنه قال وسعد جالس ، بل قال إليَّ على طريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم ( فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان ) أي أيّ سبب لعدولك عنه إلى غيره ؟ ولفظ فلان كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكر ( فوالله إني لأراه مؤمنًا ) بفتح الهمزة أي أعلمه . وفي رواية أبي ذر وغيره هنا كالزيادة لأراه بضمها بمعنى أظنه وبه جزم القرطبي في المفهم ، وعبارته الرواية بضم الهمزة وكذا رواه الإسماعيلي وغيره . ولم يجوزه النووي محتجًا بقوله الآتي ، ثم غلبني ما أعلم منه لأنه راجع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرارًا فلو لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر